مساحة تجمع بين الأدب والعلم، لتبسيط المعرفة وتحليل الواقع برؤية نقدية بعيداً عن التضليل والتبسيط المخل.

الصفحة الرئيسية أنا لستُ مكتئباً، أنا فقط بطلت أتوقع | عماد محرم

أنا لستُ مكتئباً، أنا فقط بطلت أتوقع | عماد محرم

حجم الخط

 جيل لا يرى سوى الحقيقة 



أجلس على كرسي خشبي، في أحد مقاهي مدينة تعز، أكمل آخر رشفة من الشاي، أشعر بضيق ينهش تفكيري. التفت يمنة ويسرة، ثم أحدث نفسي بهدوء: أنا لستُ مكتئباً، أنا فقط بطلت أتوقع.


 أفتح الهاتف لأشاهد آخر الأخبار: انهيار اقتصادي حاد في اليمن، أمية ساحقة، موت طفل جراء السيول، مقطع ساخر، إعلان عطر، حرب في غزة، أكاديميون في الجامعات اليمنية لم تصرف رواتبهم من أشهر.


ابتسمت بهدوء، ثم وضعت الهاتف على الطاولة، لا أتأمل المارة. الحياة مستمرة، رغماً عن كل ما يحصل.

أتذكر الجامعة، وأخبر نفسي: ما الذي سأستفيده منها؟ لطالما سمعت هذه الجملة كثيراً: "تدرس أربع سنين، وبعدها بترجع تشتغل عندي". لا أجد جواباً مقنعاً سوى جوابين أحاول فيهما سد ثغرة ذلك السؤال القهري: أنا أدرس للعلم، أنا أدرس لعل المستقبل أفضل من الحاضر.

صرتُ أبحث في كل جانب: في ماذا سأستفيد من هذا؟ أين سيفيدني لو تعلمته؟ هل هو مفيد فعلاً؟ أصبحت مريضاً بسؤال لا يفارقني: أين الفائدة؟



ربما يختصر النص السابق قصة جيل بالكامل خُلِق في وقت يخبرنا أنه لا أمل. جيل لم يعد يحلم كثيراً، لأنه يعلم أن المستقبل غير قادر حتى على تخزين أحلامه. لسنوات طويلة، وُعد هؤلاء الشباب بنفس الوعد الذي وُعدت به الأجيال السابقة: اجتهدوا، اصبروا، تعلموا، وسيأتي دوركم. لكنهم كبروا على وعد زائف، يحملونه حتى يومنا هذا بتكرارهم لتلك العبارات، رغم أنهم يعلمون أن تلك الوعود قد فقدت معناها.


الشهادة لا تضمن عملاً: فما فائدة الجامعة؟

العمل لا يضمن كرامة.

الكرامة نفسها أصبحت امتيازاً.

أما الاستقرار فقد أصبح رفاهية بعيد المنال، من يطمح له يجب أن يقضي مئة عام ليستقر في قبره دون استقرار.

الأجيال السابقة كان لديها آمال حتى في الهزائم، كانت تحمل وعداً مؤجلاً بالانتصار. أما هذا الجيل، فقد وُلِد بعد استهلاك كل تلك الوعود، حتى أصبحت بلا معنى.


نشأنا في بيئة تشبه مبنى قديماً في صحراء لا وجود لمجاورين له، يتشقق بهدوء. حرب، قتل، عنصرية، تحزب، نموت.

لا زلت أتذكر سؤالاً سُئلته ذات مرة: لماذا أنت دائماً الأقل اندهاشاً؟ لم أجب حينها، ربما لأني فقدت قدرتي على الدهشة. صارت الاحداث القاسية على جدولنا اليومي.


ما يحدث ليس مجرد أزمة نفسية فردية، بل أزمة شعور جماعي بانسداد الأفق. عندما يذهب الدكتور ليستلم راتبه بعد أشهر وهو يعلم أنه لن يكفيه، ومدينته قد تصبح غير قابلة للحياة، والهجرة شبه مستحيلة، فإن فقدان الحماس ليس انحرافاً، بل استجابة طبيعية.

الحزن أصبح واقعاً يومياً، يغتصب عقلك كل صباح دون إذن. لم نعد قادرين على التعبير عن مشاعرنا كما هي، بل أصبحنا نعبر عنها بسخرية. ترى قطة منهكة، تصورها، تكتب: "وضعي هذه الفترة". حتى أدخلنا المزاح في أصعب المواقف: نلقي نكتة بينما ندفن أحدهم، نضحك ونسخر من حروب كارثية، نرى أننا في قعر الجحيم ونضحك لأننا هناك.

ربما نكون عديمي الإحساس، لكن الحساسية المفرطة في واقع قاسٍ كهذا تصبح عبئاً لا يُحتمل إلا في باب الجنون.

أخطر ما في الأمر ليس الحزن ولا السخرية، بل تراجع الرغبة. الرغبة في البناء، في الحب، في التخطيط للمستقبل، في الإيمان بأن السنوات القادمة قد تحمل خيراً. حتى أصبحت جملة "المستقبل أفضل" غير موثوقة.


أجد نصائح كل يوم: "طوّر نفسك، اصنع فرصتك، فكر بإيجابية". هذه الكلمات صارت منفصلة تماماً عن الواقع، وكأنها قادمة من كوكب آخر لا أجيد لغته.

فكرة اختزال هذا الجيل بالضحية هي اختزال خاطئ. هذا الجيل يعلم زيف الخطابات السياسية، وهو الأقل ميلاً لتجميل الواقع. هم أبناء مرحلة طويلة انهارت فيها الوعود أسرع من قدرة الناس على استبدالها.

جيل تربى على الإنترنت، لكنه عاش في الحروب. يعرف العالم كله عبر الشاشة، لكنه يرى أن مكانه يضيق أكثر فأكثر.


لماذا يبدو هذا الجيل فاسداً ومتعباً إلى هذا الحد؟ هذا سؤال فاسد. السؤال الصحيح هو: كيف يمكن لجيل نشأ وسط كل هذا الخراب ألا يكون كذلك؟

كيف يمكن لجيل أن يحلم، وهو يعلم أنه قد يدرس أربع سنوات ليقدم على وظيفة، فيجد أمامه شاباً آخر لم يدرس، قُبل في الوظيفة بعد أن قدم شهادة وساطة؟

جيل يهرب من الواقع إلى الإنترنت ليرى: كلب يلعب، إعلان شامبو، طفل ميت، بيتزا ساخنة، فتاة ترقص، مؤتمر سلام، مقطع كوميدي. كل ذلك في ثوانٍ، فيصبح العقل خلاطة عشوائية.


 هذا الجيل يجب أن نتعلم منه الحقيقة: أن نعترف بأننا وصلنا إلى القاع. ومن القاع فقط يمكن للعين أن ترى الضوء، مهما كان خافتاً.

يجب أن نستبدل جملة "شباب آخر زمن" إلى: شباب لا يرى سوى الحقيقة.


المجتمعات لا تدخل أزماتها الكبرى فقط عندما يثور شبابها، بل أيضاً عندما يتوقفون بهدوء عن توقع أي شيء من الغد.

والأخطر: عندما يعتادون على القاع، فلا يعودون يشعرون بالسقوط.



#منطق_المعنى

عماد محرم 

---------------------------------------------

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق